التصنيفات
مقالات

الوجاهة في العمل التجاري

خلال عملي السابق في القضاء التجاري، وأثناء مزاولتي للمحاماة، كان من أبرز ما لفت انتباهي في النزاعات التي تحدث بين الشركاء في الشركات العائلية، أن أبرز أسبابها تمسك القائمين على الإدارة من الشركاء بهذه الميزة، وهي (الإدارة)، لاسيما في منصب رئيس مجلس المديرين الذي يعض عليه بعض الشركاء بالنواجذ، وجرت العادة أن يحظى به أكبر الشركاء سناً – في الشركات العائلية – وتصبح ميزة الإدارة تضفي على القائم بها مزيد وجاهة ومكانة اجتماعية، بمعزل عن المؤهلات الحقيقية التي يجب أن تتوافر في مدير أو مديري الشركة، وأن يكون المعيار الأوحد فيها هو مصلحة الشركة.

” يجب أن تعاد صياغة النظرة إلى العمل التجاري، وألا يكون من أهدافه البحث عن الوجاهة الاجتماعية، فالوجاهة الاجتماعية تأتي تبعاً لتحقيق النجاحات المتوالية في العمل التجاري، لكن ذلك لا يعني أنها هدفٌ صحيح من أهدافه “

وما أن يتبوأ الشريك الأكثر حظوة، أو الأقوى شخصية، أو الأكبر سناً، أو الأكثر تأثيراً منصب رئيس مجلس المديرين في الشركة، حتى يصبح جلّ اهتمامه في البحث عن الوجاهة الاجتماعية، والسعي وراء فرص تقوية العلاقات، واغتنام الفرص لتحقيق مصالحه الشخصية، ومصالح أولاده، بينما تأتي مصلحة الشركة في الدرجة الثانية من قائمة اهتماماته.

وكثيراً ما نرى في الشركات العائلية من المديرين من قضوا السنوات الطويلة وهم متربعون على عرش الإدارة، وأصبح هذا الكرسي وكأنه حقٌ مكتسب، ومركزٌ قانوني غير قابل للتغيير، وغالباً لا يضع حداً لذلك إلا موت هذا الشريك.

فهل مثل هذه الممارسة التي باتت منتشرة لدرجة يصعب انتقادها أو مناقشتها بين الشركاء، وصار من يجرؤ على الاعتراض عليها كأنه يسيء إلى تقاليد العائلة، ويقلل من احترام كبيرها، هل ذلك يتوافق مع ما يفترض أن يكون حاكماً على العمل التجاري من تمكين الأكفأ، وإتاحة الفرصة للأكثر قدرة من الشركاء – أو من خارجهم – على تحقيق مصلحة أعلى للشركة والشركاء؟

فالشركة وإن كانت عائلية، إلا أنها قبل ذلك كيان تجاريٌ يهدف إلى الربح، وهذا يتطلب أن يدار بأكثر الأساليب احترافاً وكفاءة، وأن يكون منصب الإدارة خاضعاً لمنهج اختيار الأكفأ، وأن يخضع أداء من يتسلم مركز الإدارة للتقييم وفقاً لمعايير واضحة دقيقة، تكون هي الفيصل في استمراره أو استبداله بغيره .

وإذا كانت الشركات العائلية على مستوى العالم تمثّل نسبة كبيرة من مساحة الاقتصاد ؛ فإن ذلك يعني أنه لا يحق للشركاء في هذه الشركات أن ينظروا إليها على أنها ملكية خاصة يتصرفون فيها كيفما شاءوا، بل يجب أن يستشعروا قيمتها في اقتصاد الوطن، وتأثيرها على المجتمع، ومدى الحاجة إلى حمايتها وتطويرها، وذلك باتباع أكثر أساليب الإدارة كفاءة، وبعيدا عن استخدامها وسيلة للوجاهة والمصالح الفردية.

وفي بعض نماذج الشركات العائلية نجد أن نجاح الشركة وإنجازاتها يتحقق على أيدي كفاءات من القياديين، إلا أنهم يأتون في الظلّ لا يعرفهم إلا الشركاء الذين تربعوا على كراسي الإدارة، واتخذوها وسيلة للوجاهة، وتركوا القيادة الفعلية لهؤلاء التنفيذيين الأكفاء، واكتفى المديرون بالمناصب الصورية. وهذه أيضاً مشكلة أخرى.

فما الذي يمنع هؤلاء المديرين من الجرأة على ترك الإدارة لمن يمارسها فعلياً، ويكتفون بجني الأرباح والتنعم بالنتائج ؟

إنه فقط التمسك بالوجاهة التي يحققها منصب الإدارة.

لقد أدت بعض صور النزاعات على رئاسة مجلس المديرين في الشركات العائلية، إلى الإضرار بمصالح الشركة وسمعتها، وسرت تلك النزاعات من كبار الشركاء إلى موظفي الشركات والمتعاملين معها، حتى أصبحت تلك الشركات في مهب الريح.

بل إنه في بعض القضايا التي مرّت بي يهون على أحد الشركاء المديرين أن يضحي بجزء ٍ من مصالح الشركة، أو يلحق بها بعض الضرر، لمجرد أن يحقق انتصاراً على منافسه الآخر من الشركاء في الوصول إلى كرسي رئاسة مجلس المديرين.

يجب أن تعاد صياغة النظرة إلى العمل التجاري، وألا يكون من أهدافه البحث عن الوجاهة الاجتماعية، فالوجاهة الاجتماعية تأتي تبعاً لتحقيق النجاحات المتوالية في العمل التجاري، لكن ذلك لا يعني أنها هدفٌ صحيح من أهدافه.

ورغم أن وزارة التجارة والصناعة قد أصدرت دليلاً استرشادياً لحوكمة الشركات العائلية ؛ إلا أنه لم يعالج هذه المشكلة، ولم يتناولها بالدرجة الكافية .

ولا أعتقد أن القضاء على هذه الظاهرة غير السليمة يأتي بسنّ قانون أو فرض تنظيم على هذه الشركات ؛ إنما يبدأ من بث الوعي وإدراك العوائل التجارية لهذه الحقيقة، وقناعتهم أن مصلحتهم ومصلحة ورثتهم من بعدهم، تكون في اتباع أكثر الوسائل قدرة على نماء وتطوير وحماية شركاتهم وما حققته من إنجازات، وذلك بالتخلي التام عن هذه القناعة الخاطئة.


المصدر: صحيفة الرياض العدد 17298 مقالة لـ محمد بن سعود الجذلاني

التصنيفات
مقالات

عشرون دقيقة فقط!

طالب يرمي أوراقاً في ساحة المدرسة، وآخر ينثر المخلفات أمامه وقطع متناثرة من بقايا «فسحة» كل يوم، وبعد انطلاق جرس الحصة الرابعة يعود الطلاب لفصولهم ببطء شديد متململين إلى فصولهم ساحقين ما تمر عليه أرجلهم من بقايا أكلهم.. يتكرر نفس المشهد ويكبر وينتفخ في الشارع والشاطئ والمتنزه.. امتلاء بسلوك مشين غارق في «مهملات» إنسانية تشترك في انتهاك مساحة من وطن وثقافة مجتمع ووعي أمة!.

صور ومشاهد تتكرر يومياً حتى غدت عادات سيئة، واتكالية متكلسة تكتسب في اللاوعي ومنه، ليس هناك قوانين «بيئية» ضابطة، لا يوجد التزامات تربوية أسرية أو مدرسية أو اجتماعية لتغييرها أو إيقافها، واقع مؤسف؛ ومواجهته وعدم الهروب منه هو أحد الحلول العملية.

تبدت لي تلك المشاهدات بدهيةً، أننا إن أردنا مجتمعاً وأجيالاً تتمتع بثقافة المسؤولية الذاتية، فلن ننجح ونحقق أهدافها إلا بإيجاد إرهاصات وأسس تقوم عليها في إنجاز فرض التزام وقانون، وغرس عادات سلوكية اجتماعية تظهر المسؤولية نحو الحياة والنظام والبيئة والمجتمع والوطن ومقدراته.

وعندما أتجاوز النظام وغياب القدوة ومسببات أخرى -المساحة لا تكفيها-؛ فإنني سأنطلق إلى جانب اجتماعي تربوي تكافلي يتجه نحو مدى ممارسة الأعمال التطوعية والاجتماعية والبيئة ذات المسؤولية الجمعية والفردية في مؤسساتنا التربوية ومدى انعكاسها على تربية أبنائنا كمسؤولين نحو ذواتهم ومجتمعهم ووطنهم وحيواتهم.. ويثبت تأثيره ومفعوله الإنساني ما وصلت إليه ممارسات دول كثيرة انطلقت مشاركات أبنائها من المدارس ليتسابقوا تطوعاً على رسم أجمل لوحات بريشة إنسانية تحترم الجدران والشوارع والزوايا والأركان.. ففي كندا وحدها مايقارب 91% من طلاب المدارس والجامعات هم عماد العمل التطوعي بشتى أنواعه، وفي ألمانيا تصل النسبة إلى 45%، أما دولة كبريطانيا فقد بلغت ساعات العمل التطوعي الرسمي فيها 90 مليون ساعة عمل في الأسبوع، لتفيض 40 مليار جنيه إسترليني سنوياً عليهم، بدأت من المدارس والجامعات حتى خدمة المجتمع «Community Service».

وإذا انتقلنا لليابان، فعملية التأهيل الاجتماعي في المدارس شكلت التزام المجتمع الياباني نفسه؛ فبعد كل «فسحة» مدرسية ينطلق الطلاب بجميع مراحلهم بحمل أدوات النظافة كرمز يحملونه معهم بين دورات المياه والممرات والفصول، لتنظيف مخلفاتهم في «عشرين دقيقة» جعلت وطناً لم يحرص على تخريج أجيال بارعين فقط، بل وأذكياء اجتماعياً ومسؤوليةً والتزاماً!.

للأسف تبقى فكرة الأعمال الاجتماعية والتطوعية بدائية في مدارسنا، لأن هناك معوقات تبدأ من المؤسسة التربوية التي لا تجد هماً سوى حرص أبنائنا على العملية التعليمية فقط –إن كانت- دون توجيه اهتماماتهم إلى قيمة العمل الاجتماعي والبيئي، يقابلها جهود محدودة من الأنشطة الطلابية في المدارس والتي تكاد تخلو من أي تحفيز أو حث على تلك الأعمال حتى لو بتقديم المساعدة للراغبين وتشجيعهم وتوجيههم للأعمال التي تتفق مع استعداداتهم وخبراتهم واتجاهاتهم.

القضية هنا باختصار، ليست سوى غرس جميل لعمل نبيل تؤسس به النفوس منذ الصغر داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع لتكوين عادات خلاّقة لعماد وطننا وعمقه في «عشرين دقيقة» فقط، وكما قال افلاطون يوماً.. «إن الاتجاه الذي يبدأ مع التعلّم سوف يكون من شأنه أن يحدد حياة المرء في المستقبل!».

أما الحل باختصار وببساطة أشد ودون «ترف» تربويّ، هو فرض العمل التطوعي الاجتماعي البيئي في مناهجنا ومدارسنا وجامعاتنا، حيث لا ينتقل الطالب لمرحلة دراسية أخرى، أو يتخرج في الجامعة إلا بقضاء ساعات محددة في العمل التطوعي الذي تستحقه إنسانيتنا ووطننا!.




المصدر: صحيفة الرياض العدد 17473 مقالة لـ د. محمد المسعودي

التصنيفات
مقالات

سوء استخدام السلطة في بيئة العمل!

جميع اللوائح الداخلية في المجتمع الوظيفي تضم عددًا من الاستثناءات وتفويض الصلاحيات الإدارية والمالية هدفها منح المسؤول مرونة في اتخاذ القرارات لتذليل الصعاب التي تواجه العمل وتطور الخدمات التي تقدم للمواطنين، لكن واقع حال استخدام تلك الصلاحيات كثيراً ما يستغل وفق الأهواء والمحسوبيات دون اعتراف بأي معايير أو ضوابط، وشجع على نمو هذه الممارسة الفاسدة ضعف المساءلة وهشاشة المحاسبة من قبل الجهات الرقابية، حتى تم تغييب الردع واتساع أوعية الفساد وتمدد آثاره السالبة على مستوى الموظفين الأفراد والمنظومة الحكومية.

ولعل من أهم الأنظمة التي يتوجب تعزيز الوعي بأهميتها نظام الموظفين الفقرات 1 – 2 – 5 – 8 من المادة الثانية فهي تنص على أنه يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشرة أعوام أو بغرامة لا تزيد على 20 ألف ريال كل موظف ثبت استغلال نفوذ الوظيفة لمصلحة شخصية في داخل الدائرة وخارجها، أو التحكم في أفراد الرعية، أو الافتئات على حق من حقوقهم الشخصية بصورة من الصور، أو تكليفهم بما لا يجب عليهم نظاماً، وكذلك سوء الاستعمال الإداري، كالعبث بالأنظمة والأوامر والتعليمات وبطرق تنفيذها، امتناعاً أو تأخيراً ينشأ عنه ضرر خاص أو عام، ويدخل ضمن ذلك: تعمد تفسير النظم والأوامر والتعليمات على غير وجهها الصحيح، أو في غير موضعها، بقصد الإضرار بمصلحة حكومية، لقاء مصلحة شخصية، واستغلال أياً كان نوعه في تفسير الأوامر وتنفيذها لمصلحة شخصية عن طريق مباشر أو غير مباشر، إضافة إلى إساءة المعاملة أو الإكراه باسم الوظيفة؛ وكذلك من اشترك أو تواطأ من الموظفين مع المسؤول على ارتكابها.

هذا مثال بسيط لما تتوخاه التشريعات، لكن الوعي بها لن يكون مجدياً إن لم يواكبه تفعيل للمساءلة والمحاسبة والانحياز للموظف البسيط، كونه الحلقة الأضعف أمام سياط الصلاحيات الإدارية التي لا ترحم ظهره من لهيب أوجاعها!

فهل تتفضل علينا الجهات الرقابية كهيئة الرقابة والتحقيق أو هيئة الادعاء والتحقيق العام أو هيئة مكافحة الفساد بإصدار بيان موثق بالأرقام والمعلومات عن عدد المدانين في تلك القضايا لعام 2015م!


المصدر: صحيفة الرياض العدد 17451 مقالة لـ ياسر المعارك

التصنيفات
مقالات

لماذا أنا وحدي من يلتزم بالقانون؟

يلتزم الناس بالقوانين حرصاً على سمعتهم ومصلحتهم أولاً، وخوفهم من العقوبات المترتبة على كسرها ثانياً.. فلا أحد يقبل بالفوضى، ولا أحد يرغب بدخول السجن، ولا أحد يريد العيش في مجتمع يأكل القوي فيه الضعيف..

تأتي العقوبات والقوانين في المركز الثاني لأنه يمكن لضعاف النفوس التحايل عليها ولعلية القوم كسرها أو إعادة تفسيرها.. لهذا السبب يجب أن تصاغ القوانين بدقة ووضوح، وتطبق العقوبات بحزم وسرعة ودون محاباة.. فالقضية تتجاوز الأمن وحفظ الحقوق، إلى ترسيخ أخلاقيات الفرد وتعزيز نزاهة المجتمع..

إذ لا يمكنك أن تظل محترماً لفترة طويلة في بيئة لا تحترم القوانين.. تصبح مظلوماً ومهضوم الحق إن كنت وحدك من يلتزم بالأنظمة أو تطبق عليه التشريعات.. في عام 2008 قررت الانتقال إلى الرياض تجاوباً مع رغبة زوجتي في إكمال تخصصها الطبي في مستشفى الحرس الوطني.. انتقلنا جميعنا بما في ذلك الأطفال والسائق وشغالتان آسيويتان.. في الأسبوع الأول هربت إحدى الشغالتين فقدمت بلاغاً رسمياً لم أجد له نتيجة.. وبعدها بشهر هربت الشغالة الثانية فقدمت بلاغاً آخرَ بلا فائدة.. بحثت في مكاتب الاستقدام حتى عثرت على شغالة ثالثة يرغب كفيلها بالتنازل عنها.. وبعد دفع مبلغ مهول اختلفنا معها فأعدتها للمكتب الذي وعدني بالبحث عن كفيل لها.. وبعد أسبوعين استلمت منه رسالة تخبرني بأن شغالتي هربت (وما أظنه إلا كاذباً) وأن المكتب لا يتحمل مسؤولة هربها.. وبعدها بفترة وصلتني الشغالة “الرابعة” التي طلبتها بشكل نظامي منذ هربت الأولى..

وطوال هذه الفترة كنت نظامياً أتقيد بالأنظمة الرسمية والقوانين المرعية حتى هربت الشغالة الرابعة بدورها.. حينها فقط أدركت أنني سأصبح مظلوماً ومهضوم الحق لو بقيت وحدي من يتقيد بالأنظمة والقوانين.. لن يعوض أحد خسائري المادية أو يضمن عدم هروب الشغالة الخامسة إن كررت التجربة.. اضطررت مكرهاً أخاك لا محتال إلى استئجار العاملات غير النظاميات من المكاتب غير المصرح لها (ولا تخبروني أن وزارة العمل لا تعلم بوجودها).. وهذه التجربة مجرد مثال على أن المواطن يظل متقيداً بالقوانين حتى يشيع كسرها والتهاون بتطبيقها فيشعر بالظلم إن استمر بالتقيد بها.. لا يمكنك أن تطالب “الفرد” بالتقيد بالأنظمة والقوانين والشائع هو التحايل والتملص وكسرها بالواسطة.. لا يمكنك أن تطالب عامة الناس بحفظ المال العام، وهم يرون خاصتهم يغرفون منه غرفاً.. لا يمكن أن يظل الإنسان محترماً وملتزماً في وسط يعتبر التهرب شطارة والالتزام سذاجة..

الناس يلتزمون بالأنظمة والقوانين ويقبلون وجودها بطيب خاطر حين يتم تطبيقها على الجميع دون استثناء.. يبدأون بالتملل والتمرد واستغلال الفرص حين يدركون أن هناك من يتحايل عليها.. يمكنك تشبيه المجتمع بالطابور الذي يقبل الناس الوقوف فيه طواعية (طالما) انتظم فيه الجميع ولم يخرقه أحد.. مجرد رؤيتهم لمن يتجاوزهم يثير غضبهم ويفرط عقد انتظامهم ويخلق الفوضى بينهم.. لاحظ كيف يتقيد المواطن السعودي بالقوانين والأنظمة حين يسافر للخارج، في حين لا يفعل ذلك بعد عودته لأرض الوطن.. والسبب رؤيته للغالبية حوله يخرقون الطابور ويتجاوزن الأنظمة ويحتالون على القوانين لدرجة يشعر بالغبن إن تقيد بها وحده.. يدرك من تجاربه السابقة أن تداخل القوانين وتعقيد التشريعات تجعل الالتفاف عليها أو كسرها بالواسطة أسرع طريقة لتجاوزها…

باختصار شديد؛

إن أردت مجتمعاً يلتزم بالقوانين والتشريعات احرص على تطبيقها دون استثناء.. فحين يخرق أحدهم “الطابور” ينتظر الجميع من صاحب الشأن معاقبته.. فإن عاقبه بحزم ودون مجاملة سينتظم أكثر ويتماسك لفترة أطول، وإن مرت دقيقتان دون فعل شيء سينفرط عقد الطابور وتعم الفوضى ويأكل القوي الضعيف.


المصدر: صحيفة الرياض العدد 17298 مقالة لـ فهد عامر الأحمدي

التصنيفات
مقالات

قفزة حقوقية.. والعبرة في التطبيق!

لم تزل العدالة تشكل هاجسا مهيمنا على الوعي الاجتماعي منذ المجتمعات البدائية القديمة والى يومنا هذا، على اعتبار ان مضمونها يحقق رضا الضمير وقناعة الذات، ومن يتمعّن في التحولات الفكرية والثقافية والاجتماعية والصراعات والحروب وما نتج عنها من اهتمام بحقوق الانسان، يصل إلى قناعة واضحة تتمثل في وجود قواسم مشتركة بين ما جاءت به الأديان وما توصلت إليه الثقافات من مفاهيم ومبادئ، فغايتهما واحدة، وان اختلفت المرجعية والظروف التاريخية.

طبعا يرى البعض أن حقوق الإنسان في الفكر الغربي الحديث كانت قد صدرت عن (العقل)، في حين أنها صدرت في الإسلام عن (النص).

وفي هذا بعض الصحة، إنما الأكثر صحة هو أن الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام شمولية تكرس مفاهيم العدل والتسامح والإخاء والمساواة، وبالتالي فحقوق الإنسان وحدة متماسكة وغير قابلة للتجزئة يتمتع بها جميع الناس دون تمييز، مرتكزين في ذلك على النص القرآني الكريم (ولقد كرمنا بني ادم).

ان مفهوم حقوق الإنسان شكّل في وقتنا الراهن مصدراً جديداً للشرعية لأي نظام سياسي، بل وتحديا للأفكار التقليدية للمدرسة الواقعية حول العلاقات الدولية، ما نتج عنه تحول في مفهوم الدولة وواجباتها.

ومن النادر أن يخلو بلد من البلدان من انتهاكات حقوق الإنسان بما فيها البلدان المتقدمة وتلك التي حققت طفرات نوعية في تنميتها الاقتصادية ومؤسساتها الدستورية، وأشاعت الحريات بمختلف مضامينها وقد تتفاوت المعايير من بلد إلى آخر إلا أن الدول النامية كان لها النصيب الأكبر من تلك الانتهاكات.

وفي هذا السياق جاء مشروع نظام «المحكمة العربية لحقوق الإنسان» بمبادرة من مملكة البحرين، وتطورت المبادرة لتأخذ طريقها إلى جامعة الدول العربية التي أقرت المشروع وسمّت المنامة مقراً لها.

” الموافقة السياسية على هذه الخطوة الحقوقية تعني استشعار العرب بضرورة ايجاد محكمة تتخذ قرارات ملزمة بدلا من لجنة حقوق الانسان الحالية التابعة للجامعة العربية التي تُعد هيئة شبه قضائية، ولا تقدم سوى توصيات فقط. وهذا يعني الاتجاه بمسار أكثر رقيا فيما يتعلق بتعزيز وحماية حقوق الانسان “

ان أهمية القرار في تقديري تكمن في استشعار صانع القرار العربي بأهمية وجود كيان ومركز عدالة يصون حقوق الانسان. هذا المسار يُعد تحولا لافتا في العقلية السياسية العربية لان ملف حقوق الانسان في العالم العربي ظل هامشيا وظلاميا ان جاز التعبير ولم يحظ باهتمام مواز للملفات الأخرى من تنمية ونهضة. ويجدر الإشارة هنا الى وجود تجارب ماثلة وجهود منظمات دولية نحو تأسيس محاكم لحقوق الانسان، فقد أسست منظمة مجلس أوروبا ومقرها مدينة ستراسبورغ الفرنسية محكمة أوروبية لحقوق الإنسان تضم 47 قاضيا. واعتمدت منظمة الدول الأميركية في واشنطن تأسيس محكمة أميركية لحقوق الإنسان تضم 7 قضاة ومقرها مدينة سان خوسيه في جمهورية كوستاريكا. كما أسس الاتحاد الأفريقي محكمة أفريقية تضم 11 قاضيا ومقرها مدينة أروشا بجمهورية تنزانيا.

وفي ظل هذا التوجه العالمي، جاء إنشاء محكمة عربية لحقوق الإنسان ليؤكد وجود إرادة سياسية تدفع باتجاه تعزيز احترام حقوق الإنسان العربي وحرياته الأساسية، وتمثل ضمانة مهمة وآلية مناسبة لصون وحماية الحقوق على الصعيدين التشريعي والقضائي. كما تسد النقص الموجود حالياً في الميثاق العربي لحقوق الإنسان فضلا عن تحقيق التكامل بينه وبين المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

الموافقة السياسية على هذه الخطوة الحقوقية تعني استشعار العرب بضرورة ايجاد محكمة تتخذ قرارات ملزمة بدلا من لجنة حقوق الانسان الحالية التابعة للجامعة العربية التي تُعد هيئة شبه قضائية، ولا تقدم سوى توصيات فقط. وهذا يعني الاتجاه بمسار أكثر رقيا فيما يتعلق بتعزيز وحماية حقوق الانسان. لأنه لا قيمة من وجود الحق دون وجود آلية حماية تمنع من الاعتداء عليه.

هناك من يرى ان إنشاءها ينطلق من بعدين أولهما قانوني بمعنى ان المحكمة توفر حماية قانونية لحقوق الانسان على الصعيد الإقليمي كونها ضمانة حقوقية فاعلة والآخر اداري هيكلي فالجامعة العربية تفتقر لنظام مؤسسي شامل لحماية حقوق الانسان ما يعني ضرورة سد هذه الثغرة القانونية.

هذه المحكمة ليست بديلا عن القضاء الوطني للدول الأعضاء وإنما إحدى الأدوات الإضافية لحماية حقوق الانسان وهذا لا يعني انها تتدخل في شؤون الدول. كما انه يُعول عليها في أن تؤسس السوابق القضائية المرشِّدة لتشريعات حقوق الإنسان بما يفضي لوحدة تشريعية بين الدول الأعضاء لاسيما انها لا تشابه المحاكم الدولية الأخرى التي أنشئت في مناخات تختلف ظرفيا وسياسيا وثقافيا عن المجتمعات العربية.

ومن باب الموضوعية يجب التنويه هنا بوجود تحفظات وملحوظات لدى بعض المنظمات الحقوقية على النظام الأساسي للمحكمة والتي تتلخص في “عدم إتاحة الإمكانية للأفراد بالادعاء أمام المحكمة، والسماح بذلك فقط للدول ولمنظمات المجتمع المدني المعترف بها من قبل الدول نفسها، ومدة ولاية قضاة المحكمة وكيفية اختيارهم، وآليات التقاضي نفسها، ومقر المحكمة، وغيرها”. ويرى بعض الحقوقيين كذلك ان النظام الأساسي للمحكمة العربية يتعارض مع الأنظمة الأخرى التي تعتمدها المحاكم الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان، سواء لجهة السماح للأفراد باللجوء الى المحكمة الأوروبية أو السماح لمنظمات حقوقية بالقيام بذلك.

كما ان البعض الاخر يردد ان النظام الأساسي لا يتسق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وان المحكمة لن تكون أداة فعالة بما في ذلك المسائل المتصلة باستقلال المحكمة وقضاتها، والقانون المطبق واختصاص المحكمة، ومقبولية القضايا.

وعلى أي حال كل ما سبق نقاط أثيرت ولا زالت تُتداول وارى انه من الحكمة الاطلاع عليها وفحصها ودراستها من قبل المعنيين والإجابة عنها قبولا او تفنيدا حتى لا يتعثر تطبيق النظام.

صفوة القول: تشكيل هذه المؤسسة الحقوقية العدلية يُعد نقلة نوعية والمأمول ان تدفع المحكمة العربية لحقوق الانسان بواقع جديد يكرس العدالة ويتجاوز تراكمات الانتهاكات التي عاشتها الكثير من الدول العربية عبر وضع آليات لعملها تستوعب مكونات مجتمعاتها ومقوماتها بتنوعها الثقافي والاجتماعي ومراعاة تعددها الاثني والمذهبي فضلا عن الديني.


المصدر: صحيفة الرياض العدد 17382 مقالة لـ د. زهير الحارثي

التصنيفات
مقالات

القضاء الواقف ومكاتب المحاماة الدولية

كانت ولا تزال مهنة المحاماة هي المهنة التي تدافع عن المظلوم، وتساهم في تطبيق النظام، وتكون سندا ًوعوناً للقضاة في أظهار الحقائق والأدلة لإعطاء كل ذي حق حقه، وتحقيق العدالة وتأكيد سيادة القانون.

المحامون هم من يطلق عليهم أهل “القضاء الواقف”، ولقد تم ذكر هذه المهنه قياساً لمفهومها ولما تتطلبه من فصاحة لسان في القرآن الكريم، حينما طلب سيدنا موسي عليه السلام إرسال أخوه هارون معه لفرعون لفصاحة لسانه “وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي…”، فالاستعانة بمن لديه فصاحة لسان لأظهار الحق أمر مقبول شرعاً بشرط مخافة الله عز وجل وعدم أكل أموال الناس بالباطل لقول الرسول صلي الله عليه وآله وسلم حينما سمع خصومة باب حجرته الشريفة، فخرج إليهم وقال “إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها”.

وهذه المهنة القديمة تحتاج إلى عدد من المقومات والمهارات الشخصية، منها فصاحة اللسان والفراسة وسرعة البديهة والدقة في اختيار الألفاظ وتكوين الجُمل والحكمة والإطلاع والثقافة الواسعة والثقة بالنفس والعزيمة والقدرة على الكتابة والإبداع الفكري والعدل والإنصاف في الطرح. وبالنظر إلى موافقة مجلس الوزراء الموقر برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز “أيده الله” على تنظيم الهيئة السعودية للمحامين، الذي يعد إنجازاً تاريخياً لتطوير هذه المهنة بالمملكة، إلا أنه يقع على عاتق هذه الهيئة كثير من العمل والجهد للارتقاء بالمحامي بحيث يكون هناك جودة أعلى ليساهم في تطوير مرفق القضاء ويصب في مصلحة الوطن.

وبالنظر إلى احتياج سوق العمل السعودي، فإن فكرتي تتلخص في محورين رئيسين، الأول فيما يخص المحامي نفسه، والمحور الثاني الحاجة إلى مكاتب المحاماة الدولية.

فسوق العمل يحتاج إلى محامين ذوي قدرة على الإبداع والعطاء، وهذا لا يكون إلا بوجود تعليم قانوني وحقوقي جيد إضافة إلى الخبرة كافية، حيث استحدثت الجامعات السعودية برامج تتوافق مع احتياجات سوق العمل من المحامين، ولكن تكمن الإشكاليه فيما يخص الخبرة، إذ تحتاج الهيئة السعودية للمحامين للرفع بالتوصيات من أجل تعديل النصوص الخاصة بسنوات الخبرة الكافية لمنح التراخيص، ليكون هناك مدد أعلى ومقسم ومدرج على أنواع ودرجات المحاكم لمن يرغب في الترافع أمامها.

فمثلاً، نجد أن الخريج الجديد في الدول الغربية يعطى تصريح مزاولة المهنة للترافع أمام محاكم أول درجة لعدد من السنوات قد لا يقل في الغالب عن 3 سنوات ويطالب بتقديم عدد من الاختبارات من أجل الترقي، ثم يتم ترقيته والسماح له بالحصول على الترخيص للترافع أمام المحكمة الأعلي لعدد من السنوات الأخرى، وتزداد مدة السنوات المطلوبة كلما تمت ترقية المحامي من مرتبة إلى مرتبة أعلي لنجد أنه قد يتطلب خبرة لا تقل عن 10 سنوات للترافع أمام المحاكم العليا وبحيث يكون له الأثر القانوني الإيجابي ليكون هناك إثراء وتتطور للمهنة ويكون هناك ايضا إضافة من قبل المنتسبين إليها. وفيما يخص مكاتب المحاماة الدولية، نجد أن هناك حاجة ماسة للخدمات التي تقدمها وطريقة عملها والأسلوب المتبع وفقاً للمتطلبات واحتياجات السوق الاستثمارية.

ولكي يتم السماح لهذه المكاتب الدولية بالعمل بشكل نظامي لابد من التفريق من وجهة نظري بين أعمال المحاماة وبين تقديم الاستشارات القانونية المكتبية.

فأعمال المحاماة يمكن أن تستمر محصورة في الترافع أمام جهات القضاء المختلفة التي تتطلب أن يكون مواطناً سعودياً ليمارس هذه المهنة، وفيما يخص الاستشارات القانونية، فيمكن السماح لشركات المحاماة الدولية الكبري والمعروفة بممارستها وفقاً لضوابط واشتراطات معينة، وبالتالي يمكن أن يسمح لتلك المكاتب بالعمل في المملكة والترخيص لها وفقاً لأليات محددة، بحيث يفرض عليها نسب سعودة عالية وبحيث يتم تدريب مواطنين سعوديين بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل والأستثمار.. وبحيث تقوم تلك الشركات بالوفاء بالتزاماتها النظامية من ضرائب سنوية ورسوم مقابل قيامها بتقديم خدماتها داخل المملكة، على ألا يسمح بمن يقوم بالمرفعة والمدافعة والمتابعة أمام القضاء إلا لمن هو حاصل على رخصة مزاولة مهنة المحاماة كما اشرنا إليه مسبقاً.

أن دخول تلك الشركات الدولية سيعطي نقلة نوعية في الخدمات القانونية المقدمة داخل المملكة، لما يكون له مساهمة فاعلة في تطوير الخدمات المرتبطة بعملية التقاضي، والخدمات الاخرى ذات الصلة بالخدمات القانونية والاستشارية وما يسمح بإضافة الجديد والاستفادة باكتساب الخبرات الدولية القانونية بما يتوافق مع الشريعة الاسلامية وعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا وبما يتناسب مع أنظمة الدولة في هذا المجال.


المصدر: صحيفة الرياض العدد 17345 مقالة لـ د. عبدالله بن محمد مطر

التصنيفات
مقالات

الجرائم المعلوماتية

لا شك أن وسائل ارتكاب الجرائم تختلف باختلاف طبيعة العصر، مثل استخدام التقنية والبرمجيات الحديثة في أنظمة الحاسب الآلي والاتصالات والتواصل الاجتماعي بطرق مختلفة بقصد انتهاك حقوق الآخرين وخصوصياتهم، والجرائم المعلوماتية تعتبر نوعا من التعدي أو الامتناع عن عمل يمكن أن يلحق الضرر بمكونات وشبكات الحاسب ووسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي والحقوق المادية والمعنوية المحفوظة لكل شخص طبيعي أو اعتباري.

ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية نص في مواده من الثالثة إلى السابعة على العقوبات التي تتراوح ما بين السجن سنة إلى عشر سنوات وغرامات مالية من خمس مئة ألف ريال إلى خمسة ملايين ريال لمن يرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذه المواد، نذكر منها على سبيل المثال، التنصت على ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي دون مسوغ نظامي صحيح أو التقاطه أو اعتراضه، والدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه، لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، ولو كان القيام بهذا الفعل أو الامتناع عنه مشروعاً، والدخول غير المشروع إلى موقع إلكتروني، أو الدخول إلى موقع إلكتروني لتغيير تصاميم هذا الموقع، أو إتلافه، أو تعديله، أو شغل عنوانه، والمساس بالحياة الخاصة عن طريق إساءة استخدام الهواتف النقالة المزودة بالكاميرا، أو ما في حكمها، والتشهير بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم، عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة، والاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال منقول أو على سند، أو توقيع هذا السند وذلك عن طريق الاحتيال أو اتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة، والوصول دون مسوغ نظامي صحيح إلى بيانات بنكية أو ائتمانية أو بيانات متعلقة بملكية أوراق مالية للحصول على بيانات أو معلومات أو أموال أو ما تتيحه من خدمات، والدخول غير المشروع لإلغاء بيانات خاصة أو حذفها أو تدميرها أو تسريبها أو إتلافها أو تغييرها أو إعادة نشرها، وإيقاف الشبكة المعلوماتية عن العمل أو تعطيلها أو تدمير أو مسح البرامج أو البيانات الموجودة أو تعديلها أو إتلافها أو تسريبها، وإنشاء مواقع من شأنها المساس بالنظام العام والقيم الدينية والآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة أو إرساله أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية والحاسب الآلي، وإنشاء المواد والبيانات المتعلقة بالشبكات الإباحية وترويج المخدرات، وإنشاء مواقع لمنظمات إرهابية على الشبكة المعلوماتية، والدخول إلى مواقع الكترونية وأجهزة الحاسب الآلي للحصول على بيانات تمس الأمن والاقتصاد الوطني.

ونعتقد أن الجريمة المعلوماتية تخضع في وسائل إثباتها إلى طرق أخرى بخلاف الجريمة التقليدية إذ أن وجود الجريمة الالكترونية يتطلب وجود بيئة رقمية واتصال بعالم الانترنت وبالتالى فإن إثباتها يتطلب استخدام أجهزة تقنية عالية لمعرفة طريقة حدوث وكيفية ارتكاب الجريمة ونسبتها إلى الشخص الذي قام بالتعدي على حقوق الآخرين بإحدى الطرق المنصوص عليها نظاماً، وهذا النوع من الجرائم قد يصعب في بعض الحالات اكتشافها أو العجز عن إثباتها كونها جريمة متعدية الحدود وتتم في أكثر من دولة، ولكنها بالمقابل متى ثبت ارتكاب الجاني للجريمة عن طريق عنوان جهاز الاتصال أو الأدلة والقرائن المرتبطة بها، ففي هذه الحالة يصعب الافلات من العقوبة.

ونخلص إلى أن ازدهار الحضارة البشرية، وانتشار التقدم التقني ساعد في تسهيل الأمور الحياتية في العصر الحديث، ومن الطبيعي أن تكون هناك بعض المخاطر، المتعلقة باساءة استخدام الحاسب الآلي والشبكة العنكبوتية ووسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي، مما استدعى وجود أنظمة لمكافحة ومعاقبة مرتكبي الجرائم المعلوماتية في معظم دول العالم، ونعتقد أن مسؤولية حماية الخصوصية تبدأ من الشخص نفسه، من خلال معرفة طبيعة الجريمة المعلوماتية وعقوبتها، وزيادة الوعي بمخاطر التقنية وأهمية حماية المعلومات والأجهزة والبرامج من الاختراق، وعدم الدخول في المواقع المشبوهة، التي قد تتسبب في انتهاك خصوصية الإنسان بشكل أو بآخر، وتجنب التورط في علاقات قد تجعل من الشخص ضحية لمرتكبي الجرائم المعلوماتية والابتزاز المادي والجسدي.

التصنيفات
مقالات

النبي والفقيه

في المقال المتقدم “النص والواقع جدل دائم” سُقت ثلاثة نماذج من الحديث، أظهرتْ أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كان من حقوقه، المفروغ منها، أنه يجتهد وينهى الناس عن شيء كان مباحاً لهم، ينهاهم مرة متعمداً على ظروف عارضة تمر بها جماعة من المسلمين؛ كما في حديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي، وتارة يهم بنهيهم نهياً أبدياً؛ كما في قضية الغيلة؛ لكن يحول الواقع الذي يفطن له عن نهيهم فيتراجع بعد أن كاد يفعل، وفي المرة الثالثة نراه يخرق الأعراف المستقرة في ذلكم المجتمع؛ فيُجيز لتلك الصحابية أن تُرضع رجلاً كبيراً؛ لظروف كانت تمر بها أسرتها.

” إنّ الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ قدوة للأمة في كل شأن؛ حاشا تلك القضايا التي جاء النص باختصاصه بها؛ فقوله:» إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» يشمله أيضاً، ويسري عليه، وليس في الأدلة الشرعية ما يجعل هذا الخطاب في الاجتهاد مقصوراً على الناس من بعده “

هذه الصور الثلاث، وإن اختلفت في قضاياها المذكورة؛ إلا أنها تُشير إلى معنى مهم، كان _ عليه الصلاة والسلام _ يتصف به، وهو الاجتهاد؛ لكنه اجتهاد كان يعتمد على الظروف التي تمرّ به المجتمعات، أو بعض أفرادها، ولم تكن تتخذ من الوحي النازل من عند الله _ عز وجل _ متكأ لها؛ فهي اجتهادات في ظاهرها تراعي الواقع، وما يدور فيه، وكان الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ يتّخذ ما يراه فيها، ولا ينتظر نزول الوحي في أمرها، وتتضح الصورة أكثر حين نقارن بين قصة سهلة بنت سهيل وبين قصة المجادلة؛ إذ أفتى سهلة بإرضاع الكبير، وأرجأ فتوى المجادلة إلى نزول الوحي في قضيتها.

والذي أحب أن أخلص إليه من ذلك هو أن اجتهاد الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ في قضايا الواقع، وعدم انتظاره وحياً يصحح ما أفتى به، يطرح سؤالاً آخر، يُمكنني صياغته في الجملة التالية:

هل كان الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ مثل المجتهدين من فقهاء المسلمين، ينظر في النصوص، ويحاول أن يصل إلى مراد الله تعالى منها أو كانت الإجابات واضحة بين يديه، وليس مُكلّفاً أصلاً بالنظر في الوحي المختلف النازل عليه الذي شغل المسلمين بعده، واختلفوا فيه اختلافاً غير يسير، حتى شرّقت منهم طائفة، وغرّبت أخرى؟ وينبني على هذا سؤال آخر هو: هل يُكلف المسلمون شيئاً لم يكلف به رسولهم _ عليه الصلاة والسلام _ وقدوتهم في كل شيء؛ هذا السؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا حين نميل إلى الرأي القائل بأنه لا يجتهد، ولا يقوم بوظيفة سوى وظيفة التبليغ عن الله عز وجل؟

يُمكنني أن أجيب على السؤال، وأختار القول الذاهب إلى أن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ يجتهد، ويتأمل النصوص، ويخرج بمراد الله تعالى منها، وهو أفقه الناس، وأعلمهم، ومن حججي في هذا الرأي أنه اجتهد في الصور السابقة، ورأى هو لنفسه حقاً في التحليل والنهي، وهي قضايا لا تتعلق بالنصوص مباشرة، وإنما ترتبط بظروف المسلمين وواقعهم؛ فإذا كان هذا حاله مع قضايا لا نصوص فيها؛ فهو إلى الاجتهاد في مسائل نزلت فيها النصوص أقرب، واجتهاده فيها أولى وأوجب.

من غرائب المسلمين في رأيي أنهم اختلفوا في هذه القضية، وتباينت آراؤهم فيها، واتجهوا في إجابة السؤال وجهتين؛ فذهبت طائفة منهم إلى أنه لا يجتهد، ولا يصلح منه ذلك، وغاية ما يقوم به التبليغ، وأقصى ما يُطلب منه هو أن يكون ناقلاً للوحي إلى المسلمين، وهو قول منسوب إلى الأشاعرة وكثير من المعتزلة، وكانت حجتهم التي تُعزى إليهم قوله تعالى :(وما ينطق عن الهوى). وذهبت طائفة أخرى، ويقال إنها أكثر الأصوليين، إلى جواز الاجتهاد منه _ عليه الصلاة والسلام _، وثار بين أيديهم سؤال، هو: إذا كان يجتهد مثلما فعل أتباعه من بعده؛ فهل يُخطئ في اجتهاده؟ وإذا أخطأ فهل يبقى خطؤه، ويرويه الناس من بعده؟.

أقرّ هؤلاء باجتهاده، وأعطوه هذا الحق؛ لكنهم عادوا من جديد، وقالوا: إن اجتهاده كله معصوم؛ لأنه إن أصاب الحق تُرك له اجتهاده، وإن أخطأ فيه لم يُترك، وهكذا أصبحوا في نهاية المطاف لا يختلفون عن الفريق الأول، وصارت النتيجة أنه لا يُوصف بمفهوم الاجتهاد؛ كما قام به أتباعه من بعده، وصار حديث:” إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر” خاصاً بالمسلمين من بعده، وليس له نصيب منه.

ولست أبتغي إنكار أن الله تعالى كان يتعقب نبيه _ عليه الصلاة والسلام _ إن أخطأ في ما يأتيه من رأي، ويذهب إليه من اجتهاد؛ فتلك أمور مشهورة، وفي الناس معروفة؛ لكني أود أن أعرض ما يُخالفها، وأضع بين أيديكم ما لا يتسق معها، ويجعلنا نُفكر في هذه المسألة من جديد، ونخرج برأي آخر غير الرأيين المذكورين سلفاً؛ فربما كان ما نخلص إليه من رأي أقرب إلى الصواب، وأعدل في القول، ولا ينبغي أن يثنينا الخروج عما اتفق عليه الناس قبلنا؛ لأن الذي أباح لهم النظر أولا؛ لم يمنعنا منه، ولأنها آراء تسعى للصواب، ولا تضمن تحصيله.

أول شيء يرد عليّ في هذه المسألة أنّ الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ قدوة للأمة في كل شأن؛ حاشا تلك القضايا التي جاء النص باختصاصه بها؛ فقوله:” إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر” يشمله أيضاً، ويسري عليه، وليس في الأدلة الشرعية ما يجعل هذا الخطاب في الاجتهاد مقصوراً على الناس من بعده.

وثاني الأمرين أن الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ كان يقول للناس؛ كما في الموطأ وصحيحي البخاري ومسلم،:” إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار”.

هذا الحديث سيُرد الاستدلال به أول وهلة، ويُنظر إليه من خلال أن القول هنا خاص بالمسائل الدنيوية، وليس الدينية؛ لكني أُذكر بالقاعدة العامة التي تجعل من هذا الحديث حجة لما رُمت التدليل عليه، والقاعدة هي أن حقوق الله مبناها على المسامحة، وحقوق الناس مبناها على المشاحة، وهذه القاعدة التي دلت عليها جماهير النصوص في الإسلام، تكشف عن أنّ أولى الأشياء أن يتمّ فيها تنبيه الرسول _ صلى الله عليه وسلم _، وتصحيح ما أخطأه فيه، هي حقوق البشر، وليس حقوق الله تعالى، ويُذكرنا هذا الحديث بسورة عبس، وما قيل في سبب نزولها.

وإذا كنا نرى هذين التنبيهين للرسول _ صلى الله عليه وسلم _ حين يخطئ في اجتهاده؛ أول التنبيهين في الأحكام، وهي حقوق الله، وثانيها في حقوق الناس؛ فإننا لا نستطيع أن نقطع أن كل اجتهاد في حقوق الناس أخطأ فيه تمّ تنبيهه إليه؛ بدليل الحديث المتقدم الذي يتوعد فيه _ ص _ الناس أن يأخذ بعضهم حقوق بعض بين يديه، وبعد حكمه.

وإذا كان الجزم بالتنبيه على كل خطأ في حقوق الناس غير وارد مع ورود سورة منه؛ كما في سورة عبس؛ فإن الجزم بتنبيهه _صلى الله عليه وسلم _ على كل اجتهاد في الأحكام، وهي حقوق الله، أخطأ فيه غير ممكن أيضاً؛ لأن عصمته _ عليه الصلاة والسلام _ في تبليغه الوحي والنص الديني للناس (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين)، وليست في اجتهاداته، والناس من بعده مأمورن بالرجوع إلى النص، والاجتهاد في فهمه مثلما فعل قدوتهم قبلهم، وذاك هو الذي عرفه المسلمون من عمر الفاروق حين أوقف سهم المؤلفة، المذكور في كتاب الله، وليس في حديث تجتمع عليه ظنية الثبوت والدلالة، وذاك النص هو الذي جرى عليه عمل الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ في حياته، والأساس الذي جعل عمر يترك الأخذ بسهم المؤلفة هو تغير الواقع؛ فقد قاده الواقع المتغير إلى إعادة النظر في نص صريح، لا يقبل التأويل، وعمل عمر هذا أشاد به المسلمون، وعدّوه نموذجاً من نماذج عبقريته، وهي إشادة برفضه المنهج الذي استقر عليه المسلمون بعد ذلك، ويبقى السؤال قائماً: هل يحق للتلميذ، وهو هنا الفاروق، ما لا يحق للأستاذ، وهو النبي _ عليه الصلاة والسلام _؟ وهل يحق للتلميذ الأول، وهو الفاروق، أن يراعي ظروف أهل زمنه، ولا يحق للتلميذ المتأخر من أمثالنا من أهل الإسلام أن يأخذ بذاك المبدأ نفسه؟ وهل يحق للفاروق أن يُوقف آيات محكمات من أجل اختلاف ظروف الناس في تلك الحقبة، ولا يحق لمسلم في هذا العصر أن يُوقف العمل بحديث، يقول عنه المحدثون: إنه ظني الثبوت ظني الدلالة؟!.

وكأني بقائل يقول: إن الفاروق، وأصحابه من الخلفاء الأولين، ليسوا مثل بقية المسلمين؛ إذ جاء النص بالاستنان بهم، والاقتداء بعملهم، فالرسول قد قال فيهم:” عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي…”، وأنا بدوري، وبعيداً عن صحة الحديث وقبوله، أقول لهذا: إن الحديث عون لي عليك؛ لأنه يأمرنا أيضاً بالاستنان بمنهجهم، وليس بآرائهم الجزئية فقط، وما دام الفاروق راعى تغير ظروف زمانه، وأوقف آيات محكمات؛ فلا أقل من أن أقوم أنا بالدعوة إلى إيقاف بعض أحاديث؛ محتجاً بعمله ذاك مع الآيات، والله الهادي إلى سواء السبيل.


المصدر: الرياض العدد 16928 مقالة لـ د. إبراهيم المطرودي

التصنيفات
مقالات

الصورة والقانون .. علاقة وطيدة وحديثٌ ذو شجون

ليس يخفى على أحد مدى ما وصلت له الصورة في زمننا الحاضر من أهمية عظمى، وقوة كبيرة، وتأثير لا يقاوم. وإذا قلت الصورة فإني أستحضر في ذهني أنواعاً لا تحصى من الصور، تتباعد في أحكامها القانونية، وآثارها الإنسانية، وقيمتها ودلالتها. فالصورة في عالم الفن والمجال الإبداعي لها شأن، بينما الصورة في عالم الخبر وتوثيق الأحداث لها شؤون، والصورة نفسها قد تكون حقاً يحميه القانون، كما قد تكون جريمة يعاقب عليها القانون.

” بث الصور ذات الأثر السلوكي أو النفسي السلبي على بعض الأشخاص، من ضعيفي الاحتمال، أو صغار السن قليلي الإدراك، دون التحذير مسبقاً قبل عرض هذه الصور، يجعل الوسيلة الإعلامية عرضة للمقاضاة بدعاوى الحقوق الخاصة أو الحق العام “

إن موضوع الصورة وعلاقتها بالقانون قد تتزايد أهميته، وتتسع قيمته من مجرد مقال عابر إلى بحث علمي واسع كبير. ولكني أحببت مشاركة القارئ الكريم بشيء من أطراف هذا الموضوع للتنبيه إلى أهميته، ولفت النظر إلى اتساع دلالته، ثم التذكير أن كل هذه الأطراف المتناثرة يجمعها قاسم مشترك واحد هو (الصورة).

ولعلي هنا أبدأ بما هو أقرب للنفس، وأجلب للأنس، وهو عالم الفنّ الذي برزت فيه ممارسة التصوير بوصفها هواية وفناً وإبداعاً أصبح يجتذب الكثير من الشباب، فصاروا يميلون إلى اقتناء كاميرات التصوير لممارسة هذه الهواية، ومحاولة الوصول فيه إلى مرحلة الإتقان والتفوق، فأصبحنا نرى عدداً من الموهوبين البارزين في هذا المجال، وصارت تعقد له الدورات التدريبية، وترصد له الجوائز القيّمة، وتقام المعارض، وتطبع الكتب التي تجمع صور هذا المصور أو ذاك. وهذا النوع من التصوير مما يحترمه القانون ويحمي حقوقه باعتباره مندرجاً ضمن حقوق الملكية الفكرية، فقد نصت المادة الثانية، فقرة (8) من نظام حماية حقوق المؤلف في المملكة، على أن من المصنفات الأصلية المتمتعة بالحماية : (أعمال التصوير الفوتوغرافي أو ما يماثله) . وفي عالم الأخبار تأتي الصورة هي سيدة الموقف، وملكة المشهد، وهي المُخبر الذي لا يكذب، والدليل الذي لا يُردّ، حتى قيل : (نحن في زمن صعود الصورة، وسقوط الكلمة) فلا كلام بعد الصورة، في عالم الخبر ونقل الأحداث. إلا أن استعمال الصورة في نقل الخبر مما يعتبر عملية معقدة قانونياً، مشوبة بالكثير الكثير من المحاذير القانونية التي متى وقعت فيها الوسيلة الإعلامية فقد تجاوزت حدود التميز المهني، إلى المسؤولية القانونية. فاستخدام صورة محمية بحقوق الملكية الفكرية بطريقة غير شرعية يعتبر مما يجرّمه القانون ويعاقبُ عليه، إذا تم الاعتداء على حقّ المصوِّر باستخدام ما صوّره دون إذنه. كما قد تحملُ الصور الملتقطة للحدث إساءة وانتهاكاً لحقوق الأشخاص وحرماتهم التي لا يجوز التعدي عليها، وهو ما تخشاه كل الوسائل الإعلامية الملتزمة بالقيود المهنية المعروفة.

وفي نطاق أبعد يمكن القول أيضاً : إن بث الصور ذات الأثر السلوكي أو النفسي السلبي على بعض الأشخاص، من ضعيفي الاحتمال، أو صغار السن قليلي الإدراك، دون التحذير مسبقاً قبل عرض هذه الصور، يجعل الوسيلة الإعلامية عرضة للمقاضاة بدعاوى الحقوق الخاصة أو الحق العام.

ويندرج في استخدام الصورة لنقل الخبر، ما نراه انتشر مؤخرا من تصوير وتوثيق بعض المظاهر السلبية لأداء بعض الأجهزة الحكومية، أو حتى تصرفات بعض المسؤولين، خاصة في مقابلتهم أو تعاملهم مع الجمهور، إذ سرعان ما تلتقط الصورة وتتداولها أيدي الناس فيصبح لها من الأثر ما يغني عن ألف مقال وألبلاغ لجهة رسمية، ويتم التعامل مع الواقعة الموثقة بالصورة بالحد الأعلى من الاهتمام الرسمي والشعبي الذي لم يكن ليحدث الكثير منه لولا تلك الصورة التي فعلت الأفاعيل. وتستمر بنا الرحلة مع الصورة في عالم القانون، لنصل إلى أبشع استخدامات الصورة، وأكثرها دناءة وخسة، وهو ما يُشكّل جريمة يستحق مرتكبها الردع والتأديب، ألا وهو استعمال الصور الشخصية الملتقطة للأفراد بإذنهم أو دون إذنهم، للتهديد بالتشهير، أو التشهير بها فعلياً، أو الابتزاز للحصول على مال أو أي غرض بهذه الطريقة القذرة. وغالباً ما يتم استخدام أجهزة الكمبيوتر في الاحتفاظ بهذه الصور، أو تمريرها، ومنه تكون سرقتها عند الاختراق والدخول من غير مالك الجهاز بطريقة غير مشروعة، وهذا ما يتناوله نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، الذي ينص في مادته الأولى، فقرة (4) على أن من البيانات التي يشملها النظام : (الصور التي تُعدّ أو التي سبق إعدادها لاستخدامها في الحاسب الآلي) .

وفي ذات النظام نصت المادة الثالثة، فقرة (4) على أنه يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سنة، وبغرامة لا تزيد على خمسمئة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل شخص (يرتكب المساس بالحياة الخاصة عن طريق إساءة استخدام الهواتف النقالة المزودة بالكاميرا، أو ما في حكمها) وفي الفقرة (5) أضافت : (التشهير بالآخرين، وإلحاق الضرر بهم، عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة). وفي هذا المجال يعتبر من أبرز المهام والنجاحات المعروفة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متابعة وضبط جرائم ابتزاز الرجال للنساء، أو حتى بعض النساء للرجال، عن طريق التهديد بنشر الصور الشخصية. ورغم تشعب الحديث عن هذا الموضوع الشيق لدرجة أنه لا يمكنني استيعابه في مقال ؛ إلا أنه لا يفوتني الإشارة إلى قيمة الصورة في الإثبات أمام القضاء، وهو ما كان محلاً للبحث والجدل لدى فقهاء الشريعة والقانون جميعاً، على اعتبار الصور مما يمكن أن يدخله التحريف والتلاعب والاصطناع، وبالتالي فإن قيمتها في الإثبات لا تكون كبيرة إلا في بعض حالات ليس هذا مجال تناولها.

هذه هي الصورة، وشيء من علاقتها بالقانون، أحببت تناوله بطريقة أرجو أن تكون راقت للقارئ العادي، ووجد فيها ما يمتعه ويفيده.

والحمد لله أولاً وآخرا.


المصدر: الرياض العدد 16928 مقالة لـ محمد الجذلاني

التصنيفات
مقالات

شرط الأسد في القانون التجاري السعودي

شرط الأسد : ان الغرض من تكوين الشركة هو تحقيق الربح، و لكن ذلك لا يكفي لتكوين الشركة بل يجب ان يشترك، الشركاء في تقسيم الارباح والخسائر يقتضي اقتسام الارباح والخسائر وهو ركن من الاركان الموضوعية الخاصة في القانون التجاري السعودي كما نصت المادة الأول صراحة أن يشترك كل شريك في الحصول على نسبة من ارباح الشركة , وتحمل كذلك نسبة من خسائرها. لذا لايجوز استبعاد أي شريك او حرمانه من الحصول على نسبة من الارباح . ومن هنا ولد شرط الاسد 1- شرط الاسد : وهو شرط يقضي باستبعاد او حرمان أحد الشركاء من ارباح الشركة او اعفائه من خسائرها وهو ما يعرف بشرط الاسد وتسمى الشركة التي تتضمن مثل هذا الشرط بشركة الاسد ويعتبر من قبيل ( شرط الاسد) : 1- حرمان أحد الشركاء من الربح . 2- تحميل أحد الشركاء كل الخسائر او تحصينه منها . 3- تخصيص كل الارباح لشريك واحد او اكثردون الاخرين . 4- التحديد المسبق لنسبة ثابتة من حصة الشريك كربح بغض النظر عن الظروف المالية للشركة . 5- استرداد أحد الشركاء حصته عند حل الشركة كاملة وسالمة من اي خسارة . 6- انقاص نصيب أحد الشركاء من الارباح مقابل عدم اشتراكه بالخسائر .

اذا ماهو الجزاء المترتب على وجود شرط الاسد في عقد الشركة ؟

لم يجمع الفقهاء والتشريعات المختلفة على موقف واحد من شرط الاسد فذهب جانب من الفقهاء والتشريعات إلى القول ببطلان الشركة برمتها متى تضمنت شرطا او اكثر من شروط الاسد , بينما ذهب جانب اخر إلى بطلان الشرط وصحة الشركة مع تقرير حق طلب فسخ عقد الشركة للشريك او الشركاء اللذين لحقهم ضرر من شرط الاسد . ولقد اخذ نظام الشركات السعودي بالاتجاه الحديث والذي يقضي تضمين عقد الشركة شرطا من شروط الاسد إلى بطلان الشرط وحده وجاء ذلك صراحة في المادة السابعة من النظام ولم يرد الاستثناء إلا في حالة نصت عليها الفقرة الثانية من ذات المادة بالقول ومع ذالك يجوز الاتفاق على اعفاء الشريك الذي لم يقدم غير عمله من المساهمة في الخسارة بشرط ألا يكون تقرر له اجر عن عمله ” بذلك لايجوز اعفاء الشريك من الخسارة اذا ساهم بحصة مالية وبعمله فقط وتم تعيين اجر له مقابل العمل ..


المصدر: ويكيبيديا